علم-كوريا-الجنوبية

كوري وأنا في اليابان!!

سبق-اليشري/ منذ سنوات عدة حضرتُ ندوة في اليابان، وكان من طقوس تلك الندوة أن يقدِّم كل مشارك كلمة مختصرة عن بلده. وكم كنت فخوراً – وما زلتُ – برؤية عَلَم بلادي يرفرف في المكان الذي سأجلس فيه، وبمدى تقدير اليابانيين للبلد الذي أنتمي إليه “المملكة العربية السعودية”، ولما جاء دوري في الحديث قلت ما قلته عن بلدي بكل تجرد وعقلانية. عندما انتهت جلسة العمل الأولى صحبني في الخروج من باب القاعة بعض المشاركين من دول مختلفة، وكان من بينهم شاب في الثلاثينيات. استوقفني ذلك الشاب وقدَّم نفسه لي على أنه من كوريا الجنوبية، وأنه ممثل مالي لشركة كورية عملاقة لها فروع في السعودية – بالمناسبة لا يكاد يخلو أي بيت سعودي من منتجاتها – ثم أردف بأنه بحكم طبيعة عمله زار السعودية مرات عدة، وأن ما قلته أنا عن السعودية كان رائعاً. وأضاف “لكنكم لستم بلداً منتِجاً؛ فالناتج الإجمالي لديكم يكاد يكون في أغلبه من النفط”.

ثم أردف بابتسامة ماكرة وخبث كوري “والنفط – كما تعلم – مورد طبيعي ناضب، وأنتم فقط تستخرجونه من باطن الأرض، ثم تبيعونه، وهذا ليس إنتاجاً بالمفهوم الاقتصادي. أما نحن في كوريا فليس لدينا أي مورد طبيعي، لكن بعقولنا وجهدنا جعلنا من كوريا إحدى الدول الصناعية المتقدمة”. وقفتُ مذهولاً من ذلك الكوري ومن حديثه مع شخص لم يره من قبل. كتمتُ غيظي ثم قلت له “إن لدينا من الإمكانيات والقيم والعقول ما سنتفوق به على كوريا وعلى غيرها مستقبلاً إن شاء الله”. وأضفت “لدينا مَثَل شعبي يقول (قدم الضعيف وألحقه)”.
ضحك جميع من وقف يتابع حديثنا من المشاركين، ثم انصرف كلٌ في شأنه.

بعد يوم طويل في جلسات العمل لتلك الندوة عدتُ إلى غرفتي بالفندق الذي أنزل فيه. أخذت قسطاً من الراحة، ثم جلست بجوار النافذة أطل على طوكيو. وبحكم أنني بالدور الرابع عشر فقد كان باستطاعتي أن أرى أجزاء كبيرة من المدينة تتلألأ في أبهى منظر. حدقت في ذلك المنظر بإعجاب ودهشة؛ فما صنعه اليابانيون في مجموعة من الجزر المتناثرة، لا يوجد فيها من الموارد الطبيعية سوى القليل، لهو حقاً معجزة يفخر بها أي شعب. وبينما أنا أُسبِّح الله، وأثني على ما أودع في اليابانيين من القدرة على الإبداع والمثابرة في العمل، قفز إلى ذهني كلام ذلك الكوري الثقيل؛ ليفسد عليّ ذلك التأمل مستعيداً كلامه بألم وحُرْقة.

ماذا؟.. بلد غير منتج؟ كيف..؟ ما الذي ينقصنا..؟ أليس لدينا من المال والإمكانيات بحمد الله الكثير؟ أليس لدينا مَلِك يحثنا دوماً على العمل والإنتاج؟ أليس لدينا الأمن؟ أليس أغلب مجتمعنا من الشباب؟ ألسنا أحفاد من نشر الإسلام في كل أصقاع المعمورة؟ أليس.. أليس؟ أسئلة كثيرة تزاحمت في رأسي بشكل لا يرحم.

يا سادة يا كرام، إن أي مراجع لخطط التنمية لدينا منذ أن بدأت سيجد أنها تركز بشكل كبير ضمن أهدافها على هدفين رئيسيين هما: تنويع مصادر الدخل وتطوير العنصر البشري “الإنسان”، الذي هو محور التنمية في هذا الكون. فأما تنويع مصادر الدخل فلم نتمكن منه بالشكل الذي يرضي طموح القيادة وآمال المواطنين، وعلى الرغم من محاولاتنا المستمرة، ومنها تجربة الزراعة، إلا أن نظرة بسيطة على الناتج المحلي الإجمالي توضح أنه لا يزال النفط بعد كل هذه السنوات يمثل العمود الفقري لاقتصادنا، شئنا أم أبينا “نحو 51 في المائة 2010م”. فإذا أخذنا في الاعتبار أنه مصدر ناضب فعلاً، وأن هناك جهوداً حثيثة من دول عديدة لإيجاد بدائل له، فإن هذا يزيد الطين بلة، ويرفع درجة القلق لدينا. وبينما تساهم القطاعات الحكومية بنسبة 19 في المائة فإن القطاع الخاص أصبح يساهم بما نسبته نحو 29.5 في المائة، وهذا شيء جيد دون أدنى شك. لكن هذا القطاع ما زال يعتمد على دعم الدولة – حفظها الله – وعلى الإنفاق الحكومي بشكل مفرط. فإذا استثنينا بعض الشركات الناجحة فإن أي خفض لهذا الإنفاق سيؤدي إلى تعثر كثير من شركاتنا إن لم أقل خروجها من السوق. ثم إن هناك أسئلة كثيرة تتعلق بهذا القطاع ما زالت تبحث عن إجابة، أبرزها – في نظري – هو ما يتعلق بالبطالة؛ فمع زيادة الإنفاق الحكومي على المشاريع منذ عام 2003م لم تظهر لدينا شركات ضخمة تدرِّب أبناءنا، وتستقطبهم للعمل لديها، بل ما زالت الدولة هي أكبر موظِّف للمواطنين، وكأن القطاع الخاص لا يعنيه الأمر، بل الأدهى أن العلاقة عكسية تماماً؛ فالمعروف أنه كلما زاد الإنفاق الحكومي زاد الطلب على المنتجات؛ وبالتالي على الأيدي العاملة، وللأسف ما حصل لدينا هو زيادة البطالة. ولا أعلم إن كان لهذا علاقة بـ”خصوصيتنا” أم أن حجم التستر في هذا القطاع بلغ مبلغه؛ حيث حرم المواطنين من الاستفادة من زيادة الإنفاق في ميزانية الدولة، وهو ما قد يفسر لنا زيادة تحويلات الأجانب من السعودية “أكثر من مائة مليار ريال” سنوياً. فهل يعقل أن يكون كل هذا المبلغ مجرد رواتب فقط؟ يقول د. عدنان الشيحة في مقال له بعنوان “الإنفاق الحكومي مَنْ المستفيد؟”: “والمتأمل لوضع الاقتصاد الوطني يدرك أنه اقتصاد ريعي، يعتمد على العمالة الأجنبية وشركات ظاهرها وطنية وهي في حقيقتها أجنبية” (الاقتصادية ص10 العدد6718). ولعل وزارة التجارة مشكورة بالتعاون مع وزارة العمل تكشف لنا بدراسة دقيقة وشاملة ما يجري في هذا القطاع.

هل نتخلى عن هدف تنويع مصادر الدخل؟ لا أحد يقول بهذا، لكني أعتقد أنه إضافة إلى معالجة الوضع القائم فلا مانع من توجيه البوصلة قليلاً باتجاه الاستثمار في الميزات التنافسية لبلدنا في الصناعات والخدمات التي نحتاج إليها أكثر من غيرها. وعلى سبيل المثال لا الحصر، نحن أكبر منتِج للنفط وأكبر منتِج للمياه العذبة من المالحة في العالم، ومن أكبر الدول استقبالاً لأشعة الشمس “الطاقة الشمسية”، إضافة إلى أننا من أكثر الدول احتياجاً لقطاع المقاولات.. إلخ؛ فلِمَ لا تكون لنا الريادة – نعم الريادة – في البحوث والتقنية والتصنيع والصيانة في مثل هذه المجالات وجميع ما يلحق بها من خدمات؟! ولعل شركات – وليس شركة – من الحجم الكبير – على غرار سابك – وتطوير العنصر البشري “الإنسان” هو ما نحتاج إليه فعلاً قبل فوات الأوان. وحيث الإنسان هو من يبتكر ويصنع ويستخدم ويحقق الريادة فإن الاستثمار في العقول هو مفتاح النجاح الحقيقي لأي تقدم، وهذا سيكون محور حديثنا إن شاء الله في الجزء الثاني من هذا المقال.

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>